محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم : إن تأويل قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) [ سورة القيامة : 22 - 23 ] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله ، ( 1 ) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا ، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر ، إذ كان غير جائز في الأخبار = لما قد بينا في كتابنا : " كتاب لطيف البيان ، عن أصول الأحكام " ، وغيره = ( 2 ) علم ، أن معنى قوله : " لا تدركه الأبصار " ، غير معنى قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ، ولا يدركونه بها ، تصديقًا لله في كلا الخبرين ، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين . * * * وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار ، وهو يرى الأبصار . * ذكر من قال ذلك : 13697 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " لا تدركه الأبصار " ، لا يراه شيء ، وهو يرى الخلائق . 13698 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : من حدَّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذب ! " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ، ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) ، [ سورة الشورى : 51 ] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين .

--> ( 1 ) انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري ( الفتح 13 : 356 ، وما بعدها ) ، وصحيح مسلم 3 : 25 ، وما بعدها . والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان . ( 2 ) قوله : ( ( علم ) ) جواب قوله آنفًا : ( ( فإذ كان الله قد أخبر في كتابه . . . ) )